نحو إعادة تشكيل السياسة الخارجية البريطانية في ملف الصحراء من الحياد إلى الدعم المعلن للموقف المغربي
لو68.ما : الدكتور مولاي بوبكر حمداني رئيس مركز التفكير الاستراتيجي والدفاع عن الديمقراطية
في منعطف دبلوماسي يحمل في طياته دلالات متعددة على صعيد المواقف الدولية تجاه ملف الصحراء، أعلنت المملكة المتحدة، عبر تصريحات وزير خارجيتها، السيد ديفيد لامي، عن إعادة توجيه لسياستها المتعلقة بقضية الصحراء، حيث أكدت لندن بموجب الإعلان المشترك الصادر في العاصمة المغربية الرباط بتاريخ 01 يونيو 2025، عن دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها المملكة المغربية، واصفة إياها بأنها “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية من أجل تسوية دائمة للنزاع”.
هذا الموقف الذي استقبلته الرباط بوصفه “تاريخياً”، يتجاوز في أبعاده حدود العلاقات الثنائية بين المملكتين، ليمثل نقطة ارتكاز محتملة في إعادة تشكيل الديناميكيات الجيوسياسية لهذا الملف الشائك على المستويين الإقليمي والدولي.
وتزداد أهمية هذا الإعلان كونه يتزامن مع سلسلة من التحركات الدولية المتسارعة، من أبرزها المواقف الداعمة الصادرة عن قوى دولية وازنة كالولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الفرنسية، وتأثيرات ذلك المباشرة على مسار المداولات داخل أروقة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، وكذلك على طبيعة الجهود التي يبذلها المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة.
بناءً على هذه المعطيات، يبرز الدور المحوري والفاعل الذي اضطلعت به الدبلوماسية المغربية في العقد الأخير باستثمارها هذا الزخم الإيجابي المتنامي، وربطه بشكل وثيق بالمشاريع التنموية والاقتصادية الطموحة بالصحراء ذات الامتداد القاري الإفريقي، والتي من شأنها أن تجعل منها محوراً محورياً للتنمية من أوروبا والأمريكيتين باتجاه العمق الإفريقي، مع ما يستتبع ذلك من انعكاسات إيجابية مباشرة وملموسة على تعزيز دعائم الاستقرار الإقليمي وتحقيق الرفاه الاجتماعي والاقتصادي لمجتمعات القارة.
إن البيان المشترك المغربي البريطاني يرتكز على عدة محاور جوهرية تحدد ملامح هذا التحول في السياسة البريطانية:
ففي المقام الأول يمثل هذا التوجه في دعم المملكة المتحدة الصريح لمخطط الحكم الذاتي المغربي الذي قدمه المغرب عام 2007 باعتباره “الأساس الأكثر مصداقية وقابلية للتطبيق وبراغماتية من أجل تسوية دائمة للنزاع”، موقفاً واضحاً ومحدداً، ينتقل من الحياد العام أو دعم العملية الأممية بشكل مجرد، إلى تحديد إطار محدد وواقعي للحل، مما يضفي على المبادرة المغربية وزناً دولياً إضافياً.
وفي المقام الثاني يؤكد البيان على الالتزام البريطاني بالتصرف وفق هذا الموقف على كافة الأصعدة، حيث ورد فيه أن بريطانيا “ستواصل العمل على الصعيد الثنائي، لاسيما في المجال الاقتصادي، وكذلك على الصعيدين الإقليمي والدولي، وفقا لهذا الموقف، من أجل دعم تسوية النزاع”، وهذا يعني أن الدعم المعلن ليس مجرد تصريح مجاملة، بل سيُترجم إلى أفعال وسياسات ملموسة في تعاملات بريطانيا الثنائية مع المغرب، وفي تفاعلاتها الإقليمية والدولية خاصة لدى الستة وخمسين دولة العضوة باتحاد دول الكومنولث كانت في معظمها أقاليم آنفة للإمبراطورية البريطانية، مما يعزز من فرص تحقيق تقدم ملموس في هذا الملف.
فضلاً عما تقدم يعترف البيان بأهمية قضية الصحراء للمغرب ودورها المحوري في الاستقرار الإقليمي، فقد أشارت لندن إلى أنها “تدرك أهمية قضية الصحراء” بالنسبة للمغرب، وتعتبر أن تسوية هذا النزاع الإقليمي “من شأنه أن يوطد استقرار شمال إفريقيا وتعزز الدينامية الثنائية والاندماج الإقليمي”، هذا الربط بين حل النزاع وبين تحقيق مكاسب أوسع تتعلق بالأمن والاستقرار والتكامل في منطقة شمال إفريقيا، يضفي بعداً جيوستراتيجياً على الموقف البريطاني، ويؤكد على فهم أعمق لتعقيدات المنطقة وتأثيرات هذا الملف على مجمل التوازنات الإقليمية.
ومن ناحية أخرى يبرز الاستعداد البريطاني لدعم مشاريع اقتصادية في الصحراء، عبر الاشارة إلى أن “الهيئة البريطانية لتمويل الصادرات قد تنظر في دعم مشاريع في الصحراء”، خاصة في إطار التزام أوسع بتعبئة خمس مليارات جنيه إسترليني لدعم مشاريع اقتصادية جديدة، هذا البُعد الاقتصادي العملي للموقف السياسي، يشير إلى استعداد بريطانيا للمساهمة في تنمية المنطقة، مما يعزز من واقعية السيادة المغربية على الأرض ويسهم في تحسين الظروف المعيشية للسكان المحليين، وهو ما يتناغم مع الرؤية المغربية للتنمية الشاملة في الأقاليم الجنوبية.
إضافة إلى ما سبق ينظر البيان إلى المغرب كبوابة رئيسية للتنمية في إفريقيا، حيث تعتبر “المملكة المتحدة المغرب بمثابة بوابة رئيسية للتنمية الاجتماعية والاقتصادية لإفريقيا وتجدد التأكيد على التزامها بتعميق تعاونها مع المغرب باعتباره شريكا للنمو في شتى أرجاء القارة”، هذا التصور يضع موقف المملكة المتحدة من الصحراء في سياق شراكة أوسع مع المغرب ودوره المحوري في القارة الإفريقية، مما يعكس رؤية بريطانية للمغرب كفاعل إقليمي مهم وشريك موثوق به في تحقيق التنمية على الصعيد القاري.
وفي سياق ذي صلة أكد البيان على دعم العملية الأممية والمبعوث الشخصي، حيث جاء فيه أن “كلا البلدين يدعمان ويعتبران الدور المحوري للعملية التي تقودها الأمم المتحدة أمرا حيويا”، مع تجديد الدعم الكامل لجهود ستافان دي ميستورا، واستعداد بريطانيا لتقديم “دعمها الفعال وانخراطها للمبعوث الشخصي وللأطراف”، هذا التأكيد يوضح أن دعم مخطط الحكم الذاتي لا يتعارض بتاتا مع المسار الأممي، بل يهدف إلى توجيهه ودعمه ضمن إطار واقعي وبراغماتي، مع عرض مساهمة بريطانية نشطة وفاعلة في جهود الوساطة الاممية.
ومن الجدير بالذكر أن البيان شدد على الحاجة الملحة لإيجاد حل للنزاع الذي طال أمده، فباعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن، تتقاسم المملكة المتحدة وجهة نظر المغرب بشأن “الحاجة الملحة لإيجاد حل لهذا النزاع الذي طال أمده”، وأنه “آن الأوان لإيجاد حل والمضي قدما في هذا الملف”، هذا الإدراك من جانب قوة دولية رئيسية لضرورة تجاوز حالة الجمود الحالية والعمل بجدية نحو تسوية نهائية، يضفي زخماً إضافياً على الجهود الدولية الرامية إلى إنهاء هذا النزاع.
سيتوجب على الدبلوماسية المغربية، بجميع مكوناتها أن تكثف من جهودها ومبادراتها لجذب المزيد من الاستثمارات الدولية النوعية إلى هذه الأقاليم الواعدة، كما يتوجب عليها تكثيف قنوات التواصل والحوار مع مختلف الفاعلين الدوليين، بهدف توضيح الحقائق التاريخية والقانونية والواقعية المتعلقة بملف الصحراء، حيث انه على الرغم من الزخم الدولي الداعم والمتزايد، فإنه يجب على المغرب أن يواصل انخراطه الإيجابي والبناء والمسؤول في المسار التفاوضي الذي تقوده الأمم المتحدة، واستعداده الدائم للتفاوض الجاد والمسؤول على أساس مبادرته للحكم الذاتي، حيث إنه بالرغم من الأهمية الجوهرية لهذا التحول في الموقف البريطاني، وتناغمه الواضح مع المواقف الصادرة عن الإدارة الأمريكية والحكومة الفرنسية، فإن الطريق نحو التوصل إلى حل نهائي ودائم لهذا النزاع، وفقاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، لا يزال يتطلب جهوداً دبلوماسية حثيثة ومكثفة وصبراً استراتيجياً.
وصفوة القول إن الموقف البريطاني الجديد من قضية الصحراء بقدر ما يمثل تطوراً ذا أهمية بالغة على صعيد تدبير هذا الملف، بانسجامه وتكامله بشكل واضح مع التحركات والمواقف الصادرة عن قوى دولية فاعلة أخرى، فإن الأمر الذي لا يدع مجالاً للشك هم كون هذا التحول النوعي سوف يعزز من فرص التوصل إلى تسوية سياسية دائمة وعادلة لهذا النزاع الذي طال أمده، تحت رعاية وإشراف منظمة الأمم المتحدة، خاصة اذا ما تم البناء عليه من خلال دبلوماسية نشطة وفاعلة ومبتكرة، تستثمر هذا الزخم الدولي الإيجابي وتربطه بشكل عضوي برؤية المغرب التنموية الطموحة للقارة الإفريقية، وسعيها الحثيث لتحويل هذا الملف الشائك من عنصر للخلاف والصراع، إلى رافعة حقيقية للاستقرار الإقليمي والتكامل القاري والازدهار المشترك، مع ما يترتب على ذلك من تحسين ملموس ودائم في حياة الساكنة المحلية في الأقاليم الجنوبية، وتعزيز دعائم الأمن والتنمية في منطقة شمال إفريقيا ومنطقة الساحل والصحراء برمتها.
ويبقى التحدي الأكبر الآن هو القدرة على ترجمة هذا الزخم الدبلوماسي المتنامي والمشجع إلى خطوات عملية وملموسة ونتائج إيجابية على طاولة المفاوضات التي تشرف عليها الأمم المتحدة، وهو ما يتطلب بالضرورة استمرار الحوار البناء والصريح، والانخراط الإيجابي والمسؤول من كافة الأطراف المعنية، بما يتماشى مع مبادئ القانون الدولي الراسخة وروح ونص قرارات مجلس الأمن الدولي ذات الصلة، وبما يضمن تحقيق حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الجميع، ينهي عقوداً من النزاع ويفتح آفاقاً واعدة للأمن والاستقرار الإقليميين.
Views: 2

